عماد الدين خليل
245
دراسة في السيرة
يكون شأن الروم والعجم وهم يرون العرب دونهم منزلة وحضارة وثقافة وسياسة ؟ بيد أن أصحاب الرسالات لا ينظرون إلى الأمور على ضوء الحاضر الضيق ، فإن ثقتهم العميقة في سيادة فكرتهم وامتداد نطاقها تعترض العقبات المفروضة في الطريق وتجعلها هباء منثورا . . ثم إن الخرافة التي أفسدت عقل بدوي تترب ثيابه رياح نجد هي بعينها الخرافة التي تفسد فكر كسرى عاهل الفرس العظيم . ما الفارق بين الحمى تصيب ملكا أو تصيب صعلوكا ؟ إن الطبيب يصف لهما على الحالين دواء واجدا ويتخذ ضد عدواهما حصانات واحدة . وقد أراد النبي أن يشفي الكبار والصغار من أمراض نفوسهم ، وأن يناولهم جميعا الدواء الذي يصحون به . . قد يكون أولئك الملوك محجبين وراء أسوار مشيدة وحولهم من الأتباع والجند والأبهة والرياش ما يبهر العين ، لكن أي عين تنبهر لهذه المظاهر ؟ إن الأنبياء لا يرون في القوم إلا أنهم جهال يجب أن يتعلموا ، سفهاء يجب أن يسترشدوا ، وأن ما حولهم من الدنيا يجعل تبعتهم أخطر « 1 » . لقد كانت سفارات الرسول وكتبه عملا بديعا من أعمال الدبلوماسية ، بل كانت أول عمل قام به الإسلام في هذا الميدان . . لم يذهب عبثا كما رأينا . . ولا ريب أن النبي لم يكن يتوقع أن يلبي أولئك الملوك الأقوياء دعوته وهو ما يزال يكافح في بثها بين قومه وعشيرته ، بيد أن إيفاد هذه البعوث يعد عملا متمما للرسالة النبوية . وكان العالم القديم الذي يتجه إليه النبي العربي بدعوته يقوم يومئذ على أسس واهية تنذر بالانهيار من وقت إلى آخر ، وكانت الأديان القديمة قد أدركها الانحلال والوهن ، فكانت الدعوة الإسلامية تبدو في جدتها وبساطتها وقوتها ظاهرة تستحق البحث والدرس ، ولم يكن عسيرا أن يستشف أولو النظر البعيد ما وراء هذه الدعوة الجديدة من قوى تنذر بالانفجار ، وقد كان الانفجار في الواقع سريعا جدا « 2 » . [ 5 ] في السنة الثامنة كان على الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن يتخذ موقفا حاسما إزاء القبائل العربية النصرانية الموالية للبيزنطيين ، بعد المواقف الغادرة التي اتخذها بعض
--> ( 1 ) الغزالي : فقه السيرة ص 391 - 392 . ( 2 ) عنان : مواقف حاسمة ص 208 .